اتفاق حكومي بين 13 دولة معنية بمشروع أنبوب الغاز نيجيريا المغرب سيوقع هذا العام بكلفة 25 مليار دولار أي ما يعادل 23.000 مليار سنتيم، وفق مديرة المكتب الوطني للهيدروكربورات والمعادن
مذكرة استراتيجية: الأبعاد الجيوسياسية والاقتصادية لاتفاق أنبوب الغاز "نيجيريا - المغرب"
نحو تدشين أضخم شراكة طاقية عابرة للقارة الإفريقية (2024)
يُشكل التوقيع المرتقب خلال العام الجاري على الاتفاق الحكومي لمشروع أنبوب الغاز نيجيريا - المغرب، الذي يجمع 13 دولة إفريقية بكلفة استثمارية تصل إلى 25 مليار دولار (ما يعادل 23.000 مليار سنتيم)، تحولاً جذرياً واقتصاديا . ويمثل هذا المشروع، الذي يحظى برعاية وتوجيهات ملكية سامية، تجسيداً لسيادة القرار الاقتصادي الإفريقي وقدرة القارة على إطلاق مشاريع مهيكلة تتجاوز التحديات الحدودية واللوجستية. حيت تهدف هذه المذكرة بالأساس إلى تسليط الضوء على الالتزامات المالية والسياسية للدول المنخرطة، والدور المحوري للمكتب الوطني للهيدروكربورات والمعادن في قيادة هذا الورش الذي سيحول منطقة غرب إفريقيا إلى قطب صناعي وطاقي عالمي يربط بين موارد الجنوب واحتياجات الشمال.تقرير استراتيجي مشروع أنبوب الغاز نيجيريا - المغرب منعطف تاريخي نحو صياغة مستقبل الطاقة الإفريقي
يدخل مشروع أنبوب الغاز الضخم الذي يربط بين نيجيريا والمغرب مرحلة حاسمة في مساره التنفيذي خلال العام الجاري، حيث تتجه الأنظار نحو التوقيع المرتقب على الاتفاق الحكومي النهائي الذي سيجمع ثلاث عشرة دولة معنية بهذا الورش القاري غير المسبوق. وتأتي تصريحات السيدة أمينة بنخضرة، المديرة العامة للمكتب الوطني للهيدروكربورات والمعادن، لتؤكد أن هذا المشروع الذي تتجاوز كلفته الاستثمارية حاجز خمسة وعشرين مليار دولار أمريكي قد انتقل من مرحلة التخطيط والدراسات التقنية إلى مرحلة التنزيل المؤسساتي والتمويلي الفعلي، مما يكرس رؤية المملكة المغربية وجمهورية نيجيريا الاتحادية في بناء نموذج فريد للتعاون "جنوب - جنوب" القائم على التنمية المشتركة والاندماج الاقتصادي الإقليمي.
لذ فإن القيمة المالية الضخمة المرصودة لهذا المشروع لا تعكس فقط حجم البنية التحتية المتوقع تشييدها، بل تجسد أيضاً الطموح الجيوسياسي لربط دول غرب إفريقيا بسوق الطاقة العالمية، و يمتد الأنبوب على طول الساحل الأطلسي ليوفر مصدراً مستداماً للطاقة لساكنة تفوق ثلاثمائة مليون نسمة. ومن المنتظر أن يشكل التوقيع الحكومي هذا العام الضمانة السيادية والقانونية التي تتيح للمستثمرين والمؤسسات المالية الدولية الانخراط بكثافة في تمويل هذا الشريان الطاقي، خاصة وأن المشروع تجاوز بنجاح معقد الدراسات الهندسية والبيئية والاجتماعية، مما جعله يحظى بمصداقية عالية لدى الشركاء الدوليين كبديل استراتيجي وموثوق لتنويع مصادر إمدادات الغاز، لا سيما نحو القارة الأوروبية التي تبحث عن استقرار طاقي بعيد المدى.
وتعد شمولية هذا الاتفاق الحكومي المرتقب وتوسيع دائرته لتضم ثلاث عشرة دولة إفريقية يعكس وعياً جماعياً بضرورة صياغة جبهة اقتصادية موحدة لمواجهة تحديات الطاقة، حيث تلعب كل دولة في مسار الأنبوب دوراً استراتيجياً يتجاوز مجرد كونه نقطة عبور تقنية. فمن نيجيريا كمركز للإمداد والإنتاج، مروراً بدول بنين وتوغو وغانا وكوت ديفوار وليبيريا وسيراليون وغينيا وغينيا بيساو وغامبيا والسنغال وموريتانيا وصولاً إلى المغرب، يمثل هذا الالتزام الجماعي ضمانة سيادية لاستقرار المشروع وحمايته قانونياً وأمنياً على طول آلاف الكيلومترات. وتسعى هذه الدول من خلال انخراطها الفعال إلى تحويل أراضيها إلى منصات لوجستية وصناعية تستفيد من الولوج المباشر للغاز، مما سيمكنها من تطوير محطات لتوليد الكهرباء بأسعار تنافسية ودعم الصناعات التحويلية المحلية، خاصة في قطاع المعادن والاسمنت والفلاحة. إن هذا التكتل الإقليمي لا يعزز فقط الجاذبية الاستثمارية للمشروع أمام المؤسسات المالية الدولية، بل يؤسس أيضاً لسوق طاقة قارية متكاملة تنهي حالة العزلة الطاقية لبعض الدول، وتجعل من التعاون المشترك أداة لتقليص الفجوة التنموية بين دول غرب إفريقيا، مما يحول مسار الأنبوب إلى حزام للتنمية البشرية والاقتصادية يخدم مصالح الشعوب الإفريقية بشكل مباشر ومستدام.
وعلى المستوى التنموي، يمثل هذا الأنبوب رافعة اقتصادية ستغير وجه القارة السمراء، إذ يتجاوز كونه مجرد قناة لنقل الغاز ليصبح حافزاً لإنشاء مناطق صناعية كبرى ومحطات لتوليد الطاقة الكهربائية في الدول التي يمر عبر مسارها. إن هذا التكامل الطاقي سيسهم بشكل مباشر في خفض تكاليف الإنتاج الصناعي، ودعم قطاع الفلاحة عبر توفير الأسمدة بأسعار تنافسية، فضلاً عن خلق آلاف فرص الشغل المباشرة وغير المباشرة، مما يعزز الاستقرار الاجتماعي والسياسي في منطقة غرب إفريقيا. كما يكرس هذا الورش الريادة المغربية في مجال الدبلوماسية الاقتصادية، حيث تضع المملكة خبراتها اللوجستية وعلاقاتها الدولية في خدمة مشروع قاري يهدف إلى إنهاء التبعية الطاقية وتحقيق السيادة في هذا القطاع الحيوي.
ختاماً، فإن هذا المشروع لن يكون مجرد إجراء إداري، بل هو إعلان عن ميلاد قطب طاقي جديد على خارطة العالم، يربط بين ثروات نيجيريا الطبيعية والموقع الاستراتيجي للمغرب كبوابة نحو أوروبا. إن هذا المشروع الذي يجمع بين ثلاثة عشر بلداً إفريقياً في إطار تعاقدي موحد، يقدم دليلاً ملموساً على أن القارة الإفريقية قادرة على قيادة مشاريع هيكلية عملاقة تخدم مصالح شعوبها وتفرض مكانتها كفاعل أساسي في الاقتصاد العالمي الجديد، مدعومة بإرادة سياسية صلبة ورؤية ملكية متبصرة جعلت من الاندماج الإفريقي خياراً استراتيجياً لا رجعة فيه.
